ابن كثير
219
البداية والنهاية
رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته . قال ابن إسحاق : فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ الخروج ] ( 1 ) أتى بأبكر بن أبي قحافة فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته . وقد روى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق . قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله يريد المدينة قال : " الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا ، اللهم أعني على هول الدنيا ، وبوائق الدهر ، ومصائب الليالي والأيام . اللهم أصحبني في سفري . واخلفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ولك فذللني . وعلى صالح خلقي فقومني ، وإليك رب فحببني ، وإلى الناس فلا تكلني ، رب المستضعفين وأنت ربي أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض ، وكشفت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين ، أن تحل علي غضبك ، وتنزل بي سخطك ، أعوذ بك من زوال نعمتك ، وفجأة نقمتك ، وتحول عافيتك وجميع سخطك . لك العقبى ( 2 ) عندي خير ما استطعت ، لا حول ولا قوة إلا بك " . قال ابن إسحاق : ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة - فدخلاه ، وأمر أبو بكر الصديق ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر . وأمر عامر بن فهيرة ( 3 ) مولاه أن يرعى غنمه نهاره ، ثم يريحها عليهما [ يأتيهما ] إذا أمسى في الغار . فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به ، وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر . وكان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة ، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا . فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفي عليه . وسيأتي في سياق البخاري ما يشهد لهذا وقد حكى ابن جرير عن بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق الصديق في الذهاب إلى غار ثور ، وأمر عليا أن يدله على مسيره ليلحقه ، فلحقه في أثناء الطريق . وهذا غريب جدا وخلاف المشهور من أنهما خرجا معا . قال ابن إسحاق : وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما ، قالت أسماء : ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر ، فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك يا ابنة أبي بكر ؟ قالت : قلت : لا أدري والله أين أبي . قالت فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشا خبيثا - فلطم خدي لطمة طرح منها
--> ( 1 ) من ابن هشام . ( 2 ) من أبي نعيم ، وفي الأصل العقبى . ( 3 ) عامر بن فهيرة ، مولى أبي بكر الصديق ، وكان مولدا من مولدي الأزد . أسلم وهو مملوك ، فاشتراه أبو بكر وأعتقه ، شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة . قتله عامر بن الطفيل